• ×

06:19 مساءً , الأربعاء 4 شوال 1441 / 27 مايو 2020

- آخر تحديث خ-شعب-1441

منار الإسلام

المقدمة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فقه العبادات


فضيلة الشيخ
محمد بن صالح العثيمين




إعداد وتقديم
أ. د عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
الأستاذ بقسم الفقه في كلية الشريعة
وأصول الدين بالقصيم
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية




دارُ الوطــن

الطبعة الأولى
1416هـ






المــقـدمـــة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله علبه وسلم.

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]([1]).
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً]([2]).
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا]([3]).

وبعد. .
لم يخلق الله سبحانه وتعالى الخلق عبثاً، وإنما أوجدهم لحكمة عظيمة تحمل في طياتها أسرار السعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ]([4]).

وقد بين سبحانه الغاية من خلق الجن والإنس، وهم أهل التكليف، قال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]([5]).

والآية الكريمة ترشدنا إلى الحقيقة الثابتة، التي تقوم عليها الحياة، فهناك غاية محددة لوجود الإنس والجن، تتمثل في أداء مهمة سامية، من قام بها فقد حقق غاية وجوده، ومن قصرَّ فيها، باتت حياته فارغة من القصد، خاوية من معناها الأصيل، هذه الغاية المحددة، هي عبادة الله وحده، كما شرع الله لعباده أن يعبدوه، ولا تستقيم حياة العبد كلها إلا على ضوء هذه المهمة، وفي سبيل تحقيق هذه الغاية.

والسعادة الحقة في الدنيا والآخرة تمكن وراء تحقيق هذه الغاية، بالالتزام بمنهج الله، عقيدة وسلوكاً، ومجاهدة النفس وتطويعها للاستقامة على هذا المنهج، قال تعالى: [فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ]([6]).

ولم يكن توحيد الله وعبادته خاصين بأمة دون أخرى، فما بعث الله رسله إلى الناس إلا لدعوتهم إلى توحيده وعبادته، ونبذ كل ما يعبد من دونه.

والعبادات عند الأمم السابقة كانت مناسبة لعصرها وبيئتها، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم فرض الله عليه العبادة في أكمل صورة لها.

والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: هي اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

وحتى يتحقق هذا المعنى، فلا بد للإنسان أن يعبد الله، على الوجه الذي شرعه الله، وبالكيفية التي ارتضاها سبحانه، في خضوع وانقياد. ولا تكون العبادة بما يخترع الناس من أهواء وظنون.

ومرجع ذلك كله أن يستقر في النفس الشعور بمعنى العبودية لله وحده، وأن يتوجه العبد إلى الله بكل حركة في النفس والجوارح، بل وكل حركة في الحياة، والتجرد إليه سبحانه من كل معنى يخالف العبودية لله وحده.

ومفهوم العبادة يبدو شاملاً لكل مجالات الحياة، والواجب على العبد أن لا ينفك عن طاعة خالقه فيما يصدر من سلوك، في جميع أوقات حياته، وقد أمر الله سبحانه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعبادته في كل وقت أمراً مطلقاً، قال تعالى: [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ]([7]).

وقد اتخذ الإسلام عبادات وشعائر تميزه، حدد لها أوقاتها ومقاديرها وكيفياتها، وفرض على الإنسان أداءها متى تحققت شروطها، بحيث لا يستطيع الإنسان تركها أو تأخيرها متى وجبت عليه.

وهي التطبيق العملي لما اعتقده في نفسه من توحيد الله سبحانه، وهي تمثل أركان الإسلام العلمية، وقواعده الأساسية.

والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، لا بد وأن يتم وفق ما شرع الله من منهج التكليف (افعل، ولا تفعل) وقد أو ضح الحق سبحانه هذا المنهج في كتابه العزيز، قال تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]([8])، وقال تعالى: [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ]([9])، وكلف نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان آيات التنزيل، وما فيها من أحكام، قال تعالى: [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]([10]).

وبعد هذا البيان يعبد الناس ربهم على بصيرة، وتنقطع حجة من عظَّم غير الله، أو عبد الله بغير ما أمر، فأحاط عبادته بالبدع والضلالات. قال تعالى: [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً]([11]).

وإذا كان المسلم بحاجة إلى طعام وشراب ليقيم صلبه، ويقوي بدنه، فهو بحاجة إلى ما يغذي روحه، من التعرف على العقيدة الصحيحة، وأسرار العبادات، بما في ذلك أوقاتها ومقاديرها وكيفياتها، مؤيدة بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة، فيروي ظمأه، ويطمئن قلبه، وتستقيم نفسه بأداء العبادة على وجهها المشروع.

إن رسالة الله ماضية، لأنها إرث العلماء، وحظ المؤمنين، إلى أن يقوم الناس لرب العالمين.
لقد جعل الله العلماء للناس مصادر توجيه، ومعالم هدى ورشد، ومعايير حس وذوق، فهم كالشجرة المثمرة تحتاج إلى من يمد يده ليقطف من جناها، وكالزهرة المتفتحة تحتاج إلى من يستفيد بعبيرها وشذاها، قال تعالى: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ]([12]).
وفي هذا الكتاب (فقه العبادات)، أجاب والدنا وشيخنا العلامة/ محمد بن صالح العثيمين على أسئلة كثيرة تتردد في الخواطر، وتحتاج إلى بيان وإيضاح، فأماط عنها اللثام، مفصلاً ما أجمل، وموضحاً ما غمض، ومبيناً ما في العبادات من الأسرار والحكم، كاشفاً ما فسد في حياة الناس من عقائد وعبادات. . في أسلوبه المميز بالعذوبة والوضوح، مؤيداً قوله بالدليل من الكتاب والسنة.

أخي القارئ:
دوحة جديدة، أضعها بين يديك، بعد أن بذلت فيها جهداً، أرجو بره ودخره في ميزان الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أسأل الله أن يصلح لي ولك النيات والأعمال، وأن يحفظ شيخنا ويثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وكتب
أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
الزلفي ـ 1/11/1415هـ
ص. ب 188


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

([1]) سورة آل عمران، الآية 102.
([2]) سورة النساء، الآية 1.
([3]) سورة الأحزاب، الآيتان (70، 71)
([4]) سورة المؤمنون، الآية: 115.
([5]) سورة الذاريات، الآية: 56.
([6]) سورة البقرة، الآية 38.
([7]) سورة الحجر، الآية 99.
([8]) سورة النحل، الآية 89.
([9]) سورة الأنعام، الآية 38.
([10]) سورة النحل، الآية 44.
([11]) سورة النساء، الآية 165.
([12]) سورة الأنبيـاء، الآية 7.

بواسطة : admincp
 0  0  1.8K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:19 مساءً الأربعاء 4 شوال 1441 / 27 مايو 2020.


Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.