في
الأربعاء 7 ذو الحجة 1435 / 1 أكتوبر 2014

جديد الأخبار والفتاوى

يحتوي على جميع المواد المتعلقة بالحج حساب فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الطيار في تويتر الأحكام الشرعية للدماء الطبيعية

التركة:

التركة لغة: بفتح التاء وكسرها مصدر بمعنى المفعول تركة بمعنى متروك وهي كل ما يتركه الميت لمن يخلفه ينتفع به([1]).

التركة اصطلاحًا: ما يتركه الميت من أموال ومنافع وحقوق سواء تعلق حق الغير بها أم لا، كالعين المرهونة يتعلق حق المرتهن بها([2]).

ويرى الحنفية أن التركة ما يتركه الميت من أموال وأعيان تكون خالية عن تعلق حق الغير بها، ولذا يعتبر الحنفية أن الأعيان التي يتعلق حق الغير بها كالعين المرهونة يتعلق بها حق المرتهن في سداد الدين، ليست من التركة، وكذلك العين المشتراة إذا مات المشتري قبل سداد الثمن، فإن حق البائع يتعلق بها في سداد الثمن([3]).

 أعيان التركة:

يمكن تقسيم أعيان التركة إلى ثلاثة أقسام وهي:

( أ ) أعيان مالية.

(ب) منافع.

(ج ) حقوق.

أولاً: الأعيان المالية:

وهي كل عين لها قيمة مالية كانت في ملكية المورث مثل الأراضي والدور والأشجار والمزارع والحدائق والاستراحات والمنقولات.

وقد اتفق الفقهاء على أن هذا النوع من أعيان التركة يخضع للميراث بل هو أهم عناصر التركة([4]).

ثانيًا: المنافع:

وهو أن يستحق المورث منفعة من عين مملوكة للغير فيموت قبل استيفاء هذه المنفعة كمن يستأجر أرضًا لزراعتها لمدة عام مثلاً فيموت قبل استيفاء المدة، أو يستأجر دارًا للسكنى مدة معينة فيموت قبل انتهاء المدة.

وعلى ذلك هل تكون المنافع من أعيان التركة فتخضع للميراث أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذا على النحو التالي:

المذهب الأول: أن المنافع ليست من أعيان التركة فلا تورث فمن استأجر أرضاً لزراعتها أو داراً لسكناها فمات قبل استيفاء مدة العقد فإن عقد الإجارة ينتهي بمجرد موت المنتفع ـ المستأجر ـ ولا يحل لورثته أن يخلفوه في استيفاء ما بقي من مدة العقد، وإلى هذا ذهب الحنفية([5]) .

المذهب الثاني: المنافع من عناصر التركة فهي تورث، فإذا استأجر رجل بيتًا ثم مات قبل انتهاء مدة الإجارة فإن ورثته يخلفونه في استيفاء ما بقي من مدة العقد للمنفعة؛ لأن المنافع تكون أموالاً لأنها تقوم بمال، بل إن أساس تقويم الأعيان المالية يكون على أساس ما تدره من منفعة، وعلى ذلك فإن المنافع تقبل التوريث.

كذلك أيضًا المستأجر إنما ينتفع بالعين المستأجرة بيده وبيد من يعولهم وهم أولاده وزوجته، فإن مات لم يتغير الحال فيكون من حق ورثته أن يستوفوا ما بقي من منفعة في عقد الإجارة.

والراجح هو المذهب الثاني القائل بأن المنافع من أعيان التركة وأنها تخضع للتوريث.

ثالثًا: الحقوق:

لما كانت الحقوق كثيرة ومتنوعة فإننا نحاول جمعها في ثلاثة حقوق، لأن منها ما يتعلق بالأعيان المالية، ومنها ما يتعلق بذمة الميت، ومنها ما يتعلق بشخص الميت.

 أولاً: الحقوق التي تتعلق بالأعيان المالية:

الحقوق التي تتعلق بالأعيان هي الحقوق التي تنشأ للأعيان المالية كحق الارتفاق للأرض وهو حق الشرب، وحق المجرى، وحق المرور ونحوها.

وكذلك حق التوثيق الذي ينشأ على عقد الرهن، فإن كان الميت مرتهنًا، فإن من حق الورثة استيفاء ديون مورثهم أولاً من المدين، أو من العين المرهونة، وتكون ديونهم مقدمة على غيرها من الديون التي على الراهن إذا مات. أو نحوه، وهذا الحق يكون للمرتهن حال حياته.

وهذه الحقوق تورث بلا خلاف بين الفقهاء فإنه ينتقل هذا الحق إلى الوارث كما كان للمورث.

ثانيًا: الحقوق المتعلقة بذمة الميت:

الحقوق التي تتعلق بذمة الميت كحق استيفاء الدين من المدين، إذا كان له دين على غيره، فإن العلماء يرون أن هذا الحق يورث باتفاق، فينتقل حق المطالبة باستيفاء الدين من المدين بمجرد موت الدائن إلى الورثة، وليس من حق المدين أن يمتنع عن الوفاء بحجة أنه لن يوفي الدين  إلا للدائن شخصيًّا لتعذر ذلك، ولأن يد الوارث في هذه الحالة تكون كيد المورث، وكذلك يبرأ المدين بمجرد وفاء الدين إلى الورثة.

ثالثًا: الحقوق الشخصية:

تنشأ بعض الحقوق متعلقة بأشخاص معينين ولكن منها ما يكون من أجل ذات الشخص بعينه ومنها ما لا يتعلق بذاته ولكن يتعلق بصفته.

أ- الحقوق الشخصية الذاتية:

قد تنشأ بعض الحقوق متعلقة بأشخاص أصحابها أي بأعيانهم وذواتهم لا تتعدى هذه الذات إلى غيرها كحق تولي الوظائف في الدولة، وكحق الحضانة، وكحق الوكالة عن الغير.

وقد اتفق الفقهاء على أن هذه الحقوق لا تورث ولا تعد من أعيان التركة  المتعلقة بذات أصحابها وأعيانهم، لأنه لما هدم الموت الذات والعين قضى على هذا الحق أيضًا فلا يورث.

ب- الحقوق الشخصية غير الذاتية:

من الحقوق ما ينشأ لأشخاص معينين ولكن ليس لذاتهم وإنما لصفاتهم كحق الشفعة للجار أو القريب أو الشريك، وكحق اختصاص من قام بتحجير الأرض الموات، فإن من حقه أن يختص بها دون غيره يعمرها فيمتلكها.

ولما كان لهذه الحقوق شبه بالحقوق الشخصية وشبه بغيرها وهي  الأعيان اختلف فيها الفقهاء على النحو التالي:

المذهب الأول: لا تعد الحقوق الشخصية غير الذاتية من أعيان التركة فلا تورث ولا تخضع لقواعد الميراث وإنما تكون مثلها مثل الحقوق الشخصية تنتهي بموت صاحبها وذلك لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ..)([6]).

فتبين من هذا الحديث أن الذي يخضع للميراث المال وما يقوم مقامه فقط؛ و عليه فلا تخضع الحقوق الشخصية غير الذاتية للميراث.

المذهب الثاني: تعتبر الحقوق غير الذاتية من أعيان التركة وتخضع للميراث وتنتقل بعد الميت إلى الوارث، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

وذلك لأن لها شبهًا بالحقوق المالية لأنها تتعلق بالأعيان، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ومن ترك مالا أو حقا فلورثته)، فقد أثبت هذا الحديث أن المال والحقوق تورث([7]).

الرأي الراجح: ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني، وهم جمهور الفقهاء أن هذه الحقوق تخضع للميراث.

الحقوق المتعلقة بالتركة:

إذا مات ابن آدم تعلقت جميع حقوقه بتركته، فيتعلق بها حق للميت وحق على الميت وحق الوارث.

أولاً: حق للميت:

يتعلق بالتركة بعد الموت حق الميت في تجهيزه للدفن وهو يشمل تغسيله من أجرة المغسل والمغسلة، وتكفينه من أجرة الكفن، والحنوط ونحوهما مما يحتاجه الميت بكفنه، وكذلك دفنه من أجرة الحامل والحافر ونحوهما..

ثانياً: حق على الميت:

يتعلق بالتركة أيضًا كل حق كان على الميت أو كل حق تعلق بالتركة ابتداء.

والحق الذي يكون على الميت مثل الحقوق التي تتعلق بذمة الميت حال الحياة كالديون ونحوها كأن يموت وعليه دين لغيره مقداره مثلاً (1000) ريال، فهذا الدين يتعلق بذمة الميت، ولكن لما ذهبت الذِّمة  بالموت، انتقل تعلق الحق من الذِّمة إلى ما بقي عن الميت وهو التركة.

وكذلك الحقوق التي تتعلق بأعيان التركة ابتداء وهي مثل الديون التي يكون في مقابلها رهن معين، فإن قضاء دين الرهن يتعلق بالتركة لفك العين المرهونة.

وكذلك إذا اشترى الميت سلعة وقبل نقد الثمن وافاه أجله، فإن ثمن السلعة يتعلق بعينها وهي من التركة.

وكذلك يتعلق بالتركة حق على الميت وهو حق ينشأ عن طريق الوصية أي تنفيذ وصايا الميت، وهي في حدود ثلث التركة، إلا إذا أجازها الورثة فهذا حق لهم.

ثالثاً: حق الوارث: وهو تقسيم التركة كما تقتضيه قواعد الميراث على أصحاب الفروض والعصبة كل واحد بما يستحقه منها.

 ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة:

إذا مات ابن آدم فيبدأ من تركته بالأقوى فالأقوى من الحقوق، عرف ذلك بقضية العقول وشواهد الأصول.

ولكن أي الحقوق أقوى من غيرها في نظر الفقهاء؟

لما كانت الحقوق متعددة ومتنوعة رأينا أن نعرض لها على النحو التالي حتى تكون في أبسط صورة وأقرب إلى الفهم:

أ ـ ما يبدأ من الحقوق في قضائه من التركة: اختلف الفقهاء في أي الحقوق يبدأ في قضائها من تركة الميت ويمكن جمع هذا الخلاف في مذهبين:

المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكية ([8]) والشافعية([9]) والمشهور عند الحنفية([10]) إلى أنه يبدأ من تركة الميت بقضاء الديون المتعلقة بأعيان التركة قبل الوفاة، كدين الرهن وأرش جناية العبد المتعلقة برقبته ونحوهما، وذلك لأن المورث في حال حياته لا يملك التصرف في هذه الأعيان التي تعلق بها حق الغير، فأولى ألا يكون له فيها حق بعد وفاته.

وعلى ذلك فإن كانت التركة كلها مرهونة في دين فإن المورث وهو الميت لا يجهز إلا بعد سداد هذا الدين؛ أي بما يبقى في التركة بعد سداد هذا الدين، فإن لم يبق من التركة شيء بعد سداد الدين فيكون تجهيز الميت على من كانت تلزمه نفقته حال حياته، أو في بيت مال المسلمين.

المذهب الثاني: ذهب الحنابلة([11]) والحنفية في رأي([12]) إلى أنه يبدأ في تركة الميت بتجهيزه ودفنه فتقدم مئونة ذلك على جميع الحقوق، وذلك لما يأتي :

(1)  ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما استشهد مصعب بن عمير يوم أحد لم يوجد له إلا غرة، فكان إذا غطى بها رأسه بدا رجلاه وإذا غطى رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أن يغطى بها رأسه ويجعل على رجليه من نبات الإذخر)([13]) .

وبذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم كل تركة الميت في تجهيزه ولم يسأل عن الدين أي هل عليه دين أم لا.

فدل ذلك على أن أول ما يقضى من التركة التجهيز وإلا لسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدين، لو كان الدين هو أول ما يقضى كما كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي على الرجل بعد تكفينه وتجهيزه وعليه دين فكان يسأل: هل على صاحبكم دين؟([14]) .

(2)  إن الكفن لباس الميت بعد وفاته فلذا يعتبر بلباسه قبل وفاته، أي حال حياته، وفي حياة الميت وقبل وفاته كان لباسه مقدما على سداد ديونه، حتى أنه لا يباع على المديون ما عليه من ثيابه، فوجب أن يكون كذلك لباسه بعد موته([15]).

الترجيح: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم نرى أن ما ذهب إليه الحنابلة من تقديم تجهيز الميت ومؤن ذلك على باقي الحقوق هو الرأي الراجح، لقوة أدلتهم، واستنادهم إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن من مات ولا شيء له وجب على المسلمين تكفينه وتجهيزه من مال بيت المال، ومال الميت يكون أقرب إليه من مال بيت المال، وبهذا يتبين أن الكفن ومؤن التجهيز تكون أقوى من قضاء الديون، حيث أنه لا يجب على المسلمين قضاء ديون الميت من بيت المال.

وعلى ذلك  لما كان للتجهيز حق الصدارة في القضاء من التركة ويتم تأخير الديون إلى المرتبة الثانية فإن ذلك يخص الديون التي تتعلق بعين التركة وهي ديون الرهن ونحوها.

وعلى ذلك تكون مؤن التجهيز أولاً ثم بعد ذلك تكون الديون المتعلقة بعين التركة.

ب ـ بعد التكفين ومؤن التجهيز وقضاء الديون المتعلقة بعين التركة يقدم الدين المطلق كدين القرض على الوصية وتوزيع الميراث وذلك لما يأتي:

(1) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أن رجلا أعتق عبدا في مرضه وعليه دين فاستسعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيمته)([16]) .  وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا لأنه قدَّم الدين على الوصية.

(2) ما روي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه  أنه قال:(قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية)([17]) .

(3) وقيل لعبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إنك تأمر بالعمرة قبل الحج، وقد بدأ الله تعالى بالحج فقال تعالى:[وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ]([18]) فقال: كيف تقرءون آية الدين قالوا:[مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ]([19]) بما يبدأ؟ قالوا: بالدين، قال هو ذلك([20]) .

(4) ولأن قضاء الدين مستحق على الميت، والوصية لا تكون مستحقة عليه فلذا قدم الدين عليها ([21]).

(5) ولأن صاحب الدين لا يمتلك ما يأخذه من دينه وفاء ابتداء، ولكنه في الحكم يأخذ ما كان له ولهذا ينفرد به إذا ظفر بجنس حقه، وهذا بخلاف الموصى له فإنه يمتلك ما يأخذه ابتداء بطريق التبرع.

 

ج : بعد قضاء الديون تنفذ وصايا الميت ويكون ذلك قبل توزيع التركة.

ويرى عامة الفقهاء أنه يكون تنفيذ الوصية من ثلث ما بقي من التركة بعد تجهيز الميت وقضاء الديون، لا من أصل التركة([22]).

لأن ما يبقى من التكفين وقضاء الدين يكون مصروفًا في ضروراته التي لابد منها، والباقي يكون هو ماله الذي كان له أن يتصرف في ثلثه.

ولأنه ربما استغرق ثلث الأصل جميع ما يبقى من المال ؛ فيؤدي إلى حرمان الورثة بسبب الوصية.

وذهب بعض الحنفية إلى أنه إن كانت الوصية معينة كانت مقدمة على الإرث، وإن كانت مطلقة كأن يوصى بثلث ماله أو ربعه كانت في معنى الميراث لشيوعها في التركة فيكون الموصى له شريكًا للورثة لا مقدمًا عليهم، ويدل على شيوعه فيها كحق الوارث أنه إذا زاد المال بعد الوصية زاد على الحقين معًا، وإذا نقص نقص عنهما معًا، حتى إذا كان للميت مال حال الوصية قدره (1000) ريال مثلاً فزاد حتى صار ألفين، فيكون للموصى له ثلث الألفين، وإن كان للميت حين الوصية ألفان فنقص المال حتى صار ألفًا يكون له ثلث الألف.

د ـ بعد تجهيز الميت وقضاء ديونه وإخراج وصيته يقسم ما بقي من تركته على ورثته على حسب قواعد الميراث بالفرض والتعصيب ومقدار ما لكل واحد منهم.

ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة عند الفقهاء:

الرقم

الحنابلة

جمهور الفقهاء

1

تجهيز الميت

الديون المتعلقة بتركة الميت

2

الديون المتعلقة بتركة الميت

تجهيز الميت

3

الديون المطلقة.

الديون المطلقة

4

تنفيذ الوصايا

تنفيذ الوصايا

5

توزيع التركة على الورثة.

توزيع التركة على الورثة.

 

مثال تطبيقي:

مات شخص وترك ما يساوي (100.000) مائة ألف ريال، ومؤن تجهيزه تساوي (5000) خمسة آلاف ريال، وعليه دين رهن يساوي (75.000) خمسة وسبعون ألف ريال، وعليه دين قرض يساوي (11.000) أحد عشر ألف ريال، وأوصى بثلث ماله، فكيف يتم توزيع هذه التركة على مستحقيها؟

 

وكم قيمة الوصية فيها وكم قدر ما يبقى للورثة؟

م

الحنابلة

المبلغ

الجمهور

المبلغ

1

مؤن التجهيز

5.000

دين الرهن

75.000

2

دين الرهن

75.000

مؤن التجهيز

5.000

3

دين القرض

11.000

دين القرض

11.000

4

الوصية

3.000

الوصية

3.000

5

تقسيم التركة على الورثة

6.000

تقسيم التركة على الورثة

6.000

مثال:

مات وترك (خمسة آلاف ريال)، وعليه دين رهن مقداره (خمسة آلاف ريال) ومؤن تجهيزه (خمسة آلاف ريال)، وعليه دين قرض مقداره (ثلاثة آلاف ريال)، وأوصى بثلث ماله.

م

الحنابلة

المبلغ

الجمهور

المبلغ

1

مؤن التجهيز

5.000

دين الرهن

5.000

2

دين الرهن

لا شيء

مؤن التجهيز

من بيت المال

3

دين القرض

لا شيء

دين القرض

لا شيء

4

الوصية

لا شيء

الوصية

لا شيء

5

الورثة

لا شيء

الورثة

لا شيء

شروط الإرث

أولاً: معنى الشرط:

الشرط لغة: العلامة، ومنه:[فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا]([23])، أي علامتها. أو هو إلزام الشيء والتزامه([24]) .

الشرط اصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته([25]) .

ثانياً: شروط الإرث:

إذا نظرنا في شروط الميراث وجدنا أن الفقهاء وضعوا هذه الشروط مع مراعاة كل أطراف الميراث.

فمن الشروط ما يرجع إلى الميت الذي ينتقل عنه الميراث إلى الغير، وهو أن المال ينتقل عنه بالموت، فلذا كان الموت شرطًا في انتقال المال، فلابد من تحقق موت المورث، سواء كان موته حقيقيًّا بأن تظهر عليه علامات الموت عند الفقهاء عن طريق المشاهدة واليقين، وهذا هو الموت حقيقة.

أو يثبت موته حكمًا أي عن طريق الحكم بموته ويتحقق ذلك في المفقود وأسير الحرب فإن الحاكم يضرب لهم مدة ثم يحكم بعدها يموتهم، وتعتد زوجاتهم عدة الوفاة، ثم تحل بعدها للأزواج، وهذا هو الموت الحكمي.

أو يكون الموت تقديرًا، وذلك كما يكون في الجنين فإن حياته تقديرية في بطن أمه لأنها حياة مختلفة عن حياة الآخرين، فإن ولد ميتًا كان موتًا تقديريًّا.

ومن الشروط ما يرجع إلى الوارث وهو أن يكون على صفة الحياة إذ أن المال ينتقل من ميت فلا ينتقل إلى ميت آخر، ولذلك لابد من تحقق حياة الوارث أثناء موت المورث.

سواء كانت حياته حقيقية بأن يكون مشاهدًا حيًّا يقوم بشؤون نفسه، أو كانت حياته تقديرية كالجنين في بطن أمه، فإن حياته تكون مقدرة حتى إنه ليوقف له من التركة نصيبه على أعلى تقدير، فإن نزل حيًّا أخذ ما يستحقه.

ولذا يشترط الفقهاء تحقق حياة الوارث.

ومن الشروط ما يرجع إلى الحاكم أو من يقوم مقامه ممن توكل إليه توزيع التركات، فلابد له من أن يعرف بعض الأمور حتى يعطي كل ذي حق حقه بلا زيادة ولا نقصان، فلابد له من معرفة:

(1) سبب الإرث الذي يدلى به الوارث إلى الإرث.

(2) نوع القرابة التي تصل بين الوارث والميت ودرجتها، لأن الميراث يختلف باختلافها.

(3) انتفاء الموانع في كل وارث، أي أن لا يتعلق بأي وارث مانع من موانع الإرث.

وعلى ذلك فإن شروط الإرث إجمالاً ما يأتي:

1-          موت المورث حقيقة أو حكمًا أو تقديرًا.

2-          حياة الوارث حقيقةً أو حكمًا.

3-          العلم بالمقتضى للإرث ومقداره.

تخطيط انسيابي: معالجة متعاقبة: حياة الوارث

حقيقةً أو حكمًا

 

تخطيط انسيابي: معالجة متعاقبة: موت المورث حقيقة أو حكمًا أو تقديرًا

 

 

تخطيط انسيابي: معالجة متعاقبة: العلم بمقتضى الإرث 

وقواعده 

 

 
تخطيط انسيابي: معالجة متعاقبة: شروط الإرث

   أسباب الإرث

معنى السبب:

السبب لغة: ما يتوصل به إلى غيره سواء كان حسيًّا كالحبل، ومنه في القرآن  الكريم  قوله تعالى:[فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ]([26])، أو معنويًّا كالعلم فإنه سبب للخير، ومنه في القرآن الكريم قوله تعالى:[وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً]([27])، فقد فسره بعض العلماء بالعلم ([28]) .

السبب اصطلاحًا: عرفه الأصوليون بأنه: صلى الله عليه وسلمما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته صلى الله عليه وسلم ([29]).

شرح التعريف:

قوله: يلزم من وجوده الوجود: قيد في التعريف يخرج الشرط، لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كموت المورث لا يلزم منه الميراث، لأنه قد لا يكون للميت تركة.

قوله: يلزم من عدمه العدم: قيد يخرج المانع، لأن المانع يلزم من وجوده العدم كالقتل إذا وجد منع من الميراث.

قوله: لذاته: يتعلق بالقيدين السابقين أي ما يلزم من وجوده الوجود لذاته، ويلزم من عدمه العدم لذاته.

وهو يعني في القيد الأول دفع ما قد يرد على التعريف مما لو اقترن بالسبب مانع أو فقد شرط، كأن يقترن بالقرابة قتل فإنه لا يرث مع وجود السبب، ولم يحقق وجوده الوجود، فإن قوله لذاته تدفع مثل هذا أي لم يتحقق الوجود لذاته وإنما لأمر خارج عنه وهو وجود المانع.

وكذلك في القيد الثاني: ما يلزم من عدمه العدم لذاته أيضًا يكون لدفع ما قد يرد على التعريف فيما إذا وجد السبب وهو الإرث عند عدم السبب كما لو فقدت القرابة وخلفها نكاح أو ولاء فإنه لم يلزم من عدم السبب عدم الإرث، ولكن عدم السبب هنا ليس لذات عدم السبب المذكور ولكن لكونه خلفه سبب آخر.

وأسباب الميراث منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء، ومنها ما هو مختلف فيه، فلذا نتعرض للأسباب التي هي محل اتفاق الفقهاء ثم نعرض بعدها الأسباب المختلف فيها مع بيان رأي الفقهاء فيها.

أولاً: أسباب الإرث المتفق عليها بين الفقهاء:

اتفق الفقهاء على أسباب ثلاثة للإرث وهي النكاح والولاء والنسب.

جاء في متن الرحبية:

أسباب ميراث الورى ثلاثة ** * * كل يفيد ربه الوراثــــــــــة

وهي نكاح وولاء ونسب * ** * ما بعدهن للمواريث سبب

ولعل الحكمة في جعل هذه الأمور الثلاثة أسبابًا للإرث هو أن الوراثة خلاقة عن الميت، وهذه الخلافة إنما تكون لمن تعتبر حياته امتدادًا لحياته.

ولمن كان يؤثره بالمودة والقربى، ومن يشاركهم في حياتهم ويشاركونه في حياته.

وهؤلاء هم قرابته الأدنى منهم فالأدنى، وكذلك الزوجة.

كما يدخل فيه من أجرى الله سبحانه وتعالى على يديه نعمة العتق والحرية([30]).

السبب الأول: النكاح:

جعلت الشريعة الإسلامية النكاح سببًا من أسباب التوارث بين الزوجين، فبمجرد العقد الصحيح يتوارث الزوجان، ولا يحتاج بعد العقد الدخول ولا لما يقوم مقامه من الخلوة الصحيحة، والشرط فقط أن يكون العقد صحيحًا، فإن كان فاسدًا، لم يثبت به توارث.

وقد جاء النص على توارث الزوجين في القرآن الكريم في قوله تعالى : [وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ..] ([31]).

وعلى ذلك يرث الزوج الزوجة وترث الزوجة الزوج إذا مات أحدهما وبقي الآخر على قيد الحياة، ولو حدثت الوفاة بعد العقد وقبل الدخول مادام عقد الزوجية قائمًا بينهما، فإن انتهى العقد بينهما لأي سبب من أسباب انتهاء عقد الزوجية كاللعان أو الخلع، سقط سبب التوارث بينهما، فلا يتوارثان لعدم وجود سبب الميراث.

وأما إذا كان انتهاء عقد النكاح عن طريق الطلاق فإنه ينظر في نوع الطلاق لأن الأمر من التوارث وعدمه يختلف باختلاف نوع الطلاق، كما ينظر في الأحوال التي تصاحب الطلاق، فقد يكون الطلاق نكاية لإخراج الزوجة من الميراث فقط، فيستعمل في غير ما شرع له ولمنع حق أوجبه الشرع لصاحبه، وفي الميراث إحقاق الحقوق وإلحاقها بأهلها، فناسب ضبط هذا الأمر لئلا يأخذ الحق غير صاحبه، ولئلا يحرم صاحب حق من حقه، وعلى ذلك ندرس أنواع الطلاق وأحواله ونبين ما يقطع التوارث منها ومالا يقطعه.

1ـ الطلاق الرجعي: هو أن يطلق الزوج زوجته طلقة واحدة بلا عوض ولا ضرر، ويكون من حق الزوج مراجعة زوجته إلى عصمته مادامت في العدة.

وعلى ذلك فالزوجة المطلقة طلاقًا رجعيًّا تكون زوجة لا يخرجها الطلاق الرجعي عن حكم الزوجية إلا إذا خرجت من العدة، فيحق للزوج وطؤها ويكون مراجعة عند بعض أهل العلم،والعيش معها في منزل واحد ولا يسقط الطلاق سوى حق القسم لها، وحق العدد في الطلاق فيسقط منه واحدة.

ولذا يرى الفقهاء بلا خلاف بينهم أن الطلاق الرجعي لا أثر له في إسقاط حق التوارث بين الزوجين مادامت العدة قائمة، سواء صدر الطلاق في حال الصحة أو في حال المرض، إذا تم بعد العقد وبعد الدخول.

فإن وقع الموت لأحد الزوجين بعد انقضاء العدة ولو بلحظة سقط حق التوارث بينهما، لأنها بخروجها من العدة قد انقطع عنها سبب التوارث وهو النكاح([32]).

2ـ الطلاق البائن: وهو الطلاق الذي تبين به الزوجة من زوجها فينفصلان عن بعض، وتنتهي به علاقة النكاح حقيقةً أو حكمًا، سواء كان بائنًا بينونة صغرى وهو مادون الثلاث كالطلاق على مال في الأولى أو الثانية أو التطليق للضرر ونحو ذلك. أو كان بائنًا بينونة كبرى وهو  ما إذا وقع مستوفيًا عدد الطلاق، والزوجة لا تحل بعده لزوجها إلا إذا نكحت غيره، قال تعالى:[فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ] ([33]) .

والطلاق البائن بنوعيه إما أن يقع في حال الصحة، وإما أن يقع في حال المرض؛ فإن وقع في حال الصحة فلا ترث الزوجة إذا مات زوجها سواء مات في العدة أو بعدها؛ لأنه ينتهي بالطلاق البائن علاقة الزوجية فيسقط سبب التوارث بينهما.

وإن وقع الطلاق البائن من الزوج وهو  في حال مرضه ويقصد بالمرض هنا مرض الموت وهو المرض المتصل بالموت.

والطلاق هنا فيه شبهة الفرار من الميراث حيث طلق الزوج وهو قريب عهد به؛ ولذا يرى الفقهاء أنه إذا طلق وتحقق عدم قصد الفرار من الميراث فهو كطلاق الصحة، لا ترث فيه المرأة من زوجها شيئًا سواء كانت في العدة أم بعدها.

وذهب الشافعية إلى أنه لا ميراث للمرأة المطلقة طلاقًا بائنًا ولو وقع ذلك الطلاق في مرض الموت لأنه لا أثر للمرض في توريثها أو منعها من الميراث، ولكن الأثر هو الطلاق وقد وقع فتمنع من الميراث سواء خرجت من العدة أم لا([34]).

وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية([35])  والمالكية([36])  والحنابلة([37])  إلى أنها ترث إذا توفرت دلالات على أنه طلقها فرارًا من الميراث، أو كان متهمًا في ذلك.

ويرى الحنفية([38])  أنها ترث مادامت في العدة، فإن خرجت فلا ترث.

ويرى المالكية أنها ترث مطلقًا؛ لأن الزوج متهم  بالفرار فيعامل بنقيض قصده، لأنه أراد حرمانها من حق وجب لها بالنكاح فأساء استخدام حق الطلاق من أجل منعها من الميراث.

وذهب الحنابلة إلى أن الزوجة ترث ما لم تتزوج بغيره أو ترتد عن دين الإسلام ـ والعياذ بالله ـ وذلك لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه  ورَّث تماضر بنت أصبغ الكلبية من زوجها عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه  لما طلقها في مرضه الذي مات فيه، فبتَّ طلاقها واشتهر ذلك بين الصحابة ولم ينكر عليه أحد ذلك فكان إجماعًا([39])، وهذا هو الرأي الراجح.

السبب الثاني: الولاء:

الولاء لغة: ـ بفتح الواو ـ الملك والقرابة والنصرة وهو نوعان: ولاء عتاقة أي ولا عتق وهو المقصود في سبب التوارث، وولاء موالاة وهو غير داخل هنا.

الولاء اصطلاحًا: عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق وهو حل الملكية فيه، سواء كان عتقا منجزًا أو معلقًا، واجبًا أو تطوعًا، بعوض أو تبرعًا([40]).

والأصل فيه من القرآن الكريم قوله تعالى:[فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ] ([41]).

والأصل فيه من السنة النبوية المطهرة أحاديث كثيرة نذكر منها ما يلي:

1ـ ما جاء في قصة عتق السيدة بريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إنما الولاء لمن أعتق)([42]).

2ـ  ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(الولاء لحمة كلحمة النسب)([43])

من يرث بالولاء؟

يرث بالولاء المعتق الذي أنعم بالعتق سواء كان رجلاً أو امرأة ولذا يكون الإرث بالولاء من جهة واحدة ألا وهي جهة المعتق لإنعامه به، ولا يرث العتيق سيده؛ لأنه لا فضل منه عليه.

وكذلك عند عدم المعتق يرث العتيق عصبته أي عصبة المعتق إذا كانوا عصبة بالنفس فقط وهم أولاده الذكور وأبوه وجده وأخوته الذكور.

ولا يرث عصبة المعتق المتعصبون بالغير كالبنات مع أخوتهم، ولا العصبة مع الغير كالأخوات مع البنات أي أخوات المعتق مع بناته.

السبب الثالث: النسب:

 يقصد بهذا السبب القرابة النسبية والتي هي صلة تجمع بين شخصين اشتركا في الولادة، قريبة كانت أم بعيدة، وهي تشمل الأصول والفروع والحواشي.

فالأصول وهم: الآباء والأمهات، والأجداد والجدات مهما علوا.

والفروع هم: الأولاد وأولاد البنين وإن نزلوا.

والحواشي هم: الأخوة وبنوهم وإن نزلوا، والأعمام وإن علوا وبنوهم وإن نزلوا.

والميراث عن طريق النسب هو أقوى أسباب الميراث الثلاثة وذلك لأنه يتقدم على السببين السابقين بما يأتي:

1ـ أن النسب سابق في الوجود على غيره من أسباب الميراث فهو يولد مع الشخص، وهذا بخلاف النكاح والولاء فهما يطرآن على وجود الشخص.

2ـ أن النسب لا يزول مطلقاً وهذا بخلاف النكاح فقد يزول بالطلاق ونحوه.

3ـ أن النسب يؤثر في غيره من أسباب الميراث فهو يؤثر في النكاح بالنقصان، ويؤثر في الولاء بالحرمان.

4ـ أن الميراث به يقع من جهتين وهما الفرض والتعصيب بينما يكون التوارث بغيره من جهة واحدة ، فالنكاح يرث بالفرض فقط، والولاء يرث بالتعصيب فقط([44]) .

 ثانيًا: أسباب الإرث المختلف فيها بين الفقهاء:

يرى بعض الفقهاء أنه توجد أسباب أخرى يقع التوارث بها وإن كانت ليست محل اتفــاق كالأسـباب الســابقـة، ولكن من يقرهـا يعتبرها في المرتبـة الثانيـة بعد الأسباب المتفق عليها، وهي النكاح وولاء العتاقة والنسب.

وهذه الأسباب إجمالاً هي:

(1) جهة الإسلام.        (2) ولاء الموالاة.

(3) إسلام الرجل على يد آخر.    (4) الالتقاط.

السبب الأول: جهة الإسلام:

اختلف الفقهاء في جهة الإسلام هل تكون سببًا من أسباب التوارث أم لا على مذهبين:

المذهب الأول: ذهب الحنفية([45]) والحنابلة([46]) إلى أن جهة الإسلام ليست سببًا من أسباب الإرث. وعلى ذلك فالباقي من التركة يرد على أصحاب الفروض النسبية أو يورث لذوي الأرحام([47])، وذلك لقوله تعالى:[وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ]([48]) .

فقد نسخت هذه الآية ما كان في الجاهلية وصدر الإسلام من الميراث بسبب الحلف والتبني والهجرة والمؤاخاة وجعلت التوارث في القرابة النسبية([49]) .

المذهب الثاني: ذهب المالكية والشافعية إلى أن جهة الإسلام تعتبر سببًا من أسباب الإرث وإن اختلفوا فيما بينهم هل يعتبر ذلك إذا كان بيت المال منتظمًا أم لا([50]). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أَنَا وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ..)([51]).

الترجيح: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم يتبين لنا أن ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول هو الراجح وذلك لأن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه) إنما هو محمول على ما إذا عدم الوارث بالكلية، وهنا لم يعدم الوارث بل يرثه ذوو رحمه، ولذا كان ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة هو الراجح.

السبب الثاني: ولاء الموالاة:

ولاء الموالاة هو ولاء الحلف والمعاقدة، وكان العرب قبل الإسلام في الجاهلية يتوارثون به كما يتوارثون بالأنساب طلبًا للتواصل به، فإذا تحالف الرجلان منهم فقال كل واحد منهم لصاحبه في عقد حلفه هدمي هدمك، ودمي دمك، وسلمي سلمك، وحربي حربك، وتنصرني وأنصرك، وقبل الآخر، فإنه بموجب هذا الحلف يرث كل واحد منهما صاحبه([52]).

وظل هذا التوارث قائمًا قبل الإسلام، وكذلك في صدر الإسلام ووقع التوارث به حتى نزل فيه قول الله تبارك وتعالى:[وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ] ([53]) .

ولكن هل بقي هذا السبب في التوارث قائمًا إلى اليوم أم نسخ؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين :

المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية([54]) والشافعية([55]) والحنابلة في المشهور عندهم([56]) إلى أن ولاء الموالاة ليس سببًا من أسباب التوارث، وأنه كان موجودًا في صدر الإسلام ثم نسخ بآيات المواريث وقوله تعالى : [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ]([57])، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(إنما الولاء لمن أعتق)، فقد حصر الولاء في ولاء العتاقة دون غيره([58]).

المذهب الثاني: ذهب الحنفية([59]) والحنابلة في رواية([60]) أن ولاء الموالاة من أسباب المواريث، وأنه لم ينسخ ويكون بعد ميراث ذوي الأرحام، وذلك لقوله تعالى :[وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ] ([61]) .

فقد أوجب الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة إعطاء نصيب ولاء الموالاة والمعاقدة من الميراث ثم جاء قوله تعالى:[وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ] ([62])  ليجعل ولاء الموالاة والمعاقدة بعد ميراث ذوي الأرحام، فإذا لم يوجدوا فهم أولى بالميراث من بيت المال.

مناقشة هذا الدليل: إن هذا كان موجودًا في صدر الإسلام ثم نسخ فورثوا بهذه الآية حينًا حتى نزلت آيات المواريث فنسختها وأوقفت العمل بهذه الآية وهي قوله تعالى: [وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ]([63])، وقد نقل النسخ لها عبد الله بن عباس وقتادة والحسن ومجاهد وغيرهم([64]).

وقال آخرون: هي محمولة على (آتوهم نصيبهم من النصرة والعقل والرفادة) لا الميراث([65]) .

الترجيح: بعد عرض آراء العلماء في هذه المسألة يتبين عدم انتهاض دليل الحنفية في إثبات دعواهم، ولذا كان مذهب الجمهور هو الراجح وهو أن ولاء الموالاة ليس من أسباب الميراث.

السبب الثالث: إسلام الرجل على يد غيره:

اختلف الفقهاء فيما إذا أسلم الرجل على يد رجل آخر، هل يثبت له الولاء فيرثه بهذا الولاء أم لا ؟ على النحو التالي:

المذهب الأول: الولاء لا يثبت بإسلام الرجل على يد رجل آخر، فإذا أسلم رجل على يد آخر لم يثبت له ولاء، وبذلك لا يرثه، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية([66]) والشافعية([67]) والحنابلة([68]) وداود الظاهري([69]).

وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إنما الولاء لمن أعتق)، فقد دل هذا الحديث على حصر الولاء في العتق خاصة، وعليه فلا يثبت الولاء في غيره.

المذهب الثاني: إذا أسلم الرجل على يد رجل آخر كان له ولاءه، فإذا مات ولا وارث له ورثه، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة([70]) وذلك لما روي عن تميم الداري أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(هو أولى الناس بمحياه ومماته)([71]) .

فهذا الحديث يقتضي أن يكون للرجل ميراثه عند عدم الورثة، إذ ليس بينهما ولاية بعد الموت إلا في الميراث([72]) .

مناقشة هذا الدليل: نوقش الاستدلال بهذا الحديث من جهتين: من جهة السند، ومن جهة المتن.

أولاً: من جهة السند: تكلم رجال الحديث في هذا الدليل بما يفيد ضعفه، فقال عنه الشافعي: أنه ليس بثابت، وحكى الخطابي عن أحمد بن حنبل أنه ضعفه، وقال البخاري:اختلفوا في صحته، وقال الترمذي: هو عندي ليس بالمتصل([73]).  وعلى هذا فهو ضعيف لا تقوم به حجة.

ثانيًا: من جهة المتن: دلالة الحديث مبهمة وليس فيه أنه يرثه وإنما فيه (أنه أولى الناس بمحياه ومماته)، وهذا يحتمل أنه أولى به في الميراث، ويحتمل أنه يكون في مراعاة الزمام، ويحتمل أن يكون في الإيثار بالبر ونحو ذلك، وهو مع الاحتمال يعارض قوله صلى الله عليه وسلم(إنما الولاء لمن أعتق)، فيجعل الأول في الإيثار بالبر والنصرة والثاني في الميراث توفيقًا بينهما([74]) .

الترجيح: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم نرى أن ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول هو المستحق للترجيح لقوة أدلتهم.

 السبب الرابع: الالتقاط:

إذا التقط شخص طفلاً لا يعرف نسبه فهل يكون له ميراثه أم لا على النحو التالي :

المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الالتقاط لا يبيح التوارث بينهما وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:(إنما الولاء لمن أعتق) فقد حصر الولاء كله في العتق فيخرج منه اللقيط.

وكذلك عامة الفقهاء على أن اللقيط حر فلا يثبت عليه ولاء لأحد([75]).

المذهب الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الالتقاط يكون سببًا من أسباب الملك فيرث الملتقط اللقيط عند عدم الورثة وهو أولى به من بيت المال وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه، والليث بن سعد([76]).

وذلك لما روي عن وائلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه)([77]) .

الترجيح: نرى أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم ثبوت الميراث بسبب الالتقاط هو الرأي الراجح، وذلك لأن ما استدل به أصحاب المذهب المخالف من حديث وائلة لا يعارض حديث إنما الولاء لمن أعتق.

قال الخطابي:حديث وائلة الذي احتج به إسحاق غير ثابت عند أهل النقل([78]).

وإذا لم يثبت حديثهم فلا يلزم الأخذ بقولهم وكان رأي الجمهور هو الراجح.

 

 موانع الإرث

الموانع لغةً: جمع مانعٍ، والمانع في اللغة يكون بمعنى الحائل تقول: جعلت هذا الشيء حائلاً بين هذا وهذا لئلا يختلطان أي جعلته مانعًا بينهما من الاختلاط([79]) .

ويكون أيضًا بمعنى الحرمان تقول: منع الطبيب المريض من كذا إذا حرمه منه.

واصطلاحًا: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته([80]) .

والمانع بهذا التعريف يكون عكس الشرط كما سبق، وقوله لذاته راجع لطرفي التعريف. فلا يرد عليه وجود الإرث عند عدمه لوجود السبب وتحقق الشرط؛ لأنه وإن لزم من عدمه وجود الإرث لكن لا لذاته ولكن لوجود السبب وتحقق الشرط.

وكذلك لا يرد عليه عدم الإرث عند عدمه لفقد الشرط، كأن لم يتحقق حياة الوارث بعد موت الموروث، فإنه وإن لزم من عدمه عدم الإرث لكن لا لذاته بل لعدم الشرط([81]).

 موانع الإرث:

موانع الإرث منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء ومنها ما هو محل اختلاف:

أولاً: موانع الإرث المتفق عليه:

اتفق الفقهاء على أن موانع الميراث ثلاثة: وهي الرق، والقتل، واختلاف الدين([82]).

أولاً: الرق:

الرق لغة: العبودية([83]).

واصطلاحًا: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب كفره([84]).

وعلى ذلك فالرق عجز حكمي أي حكم الشارع به جزاء على الكفر به، ولذا لا يثبت على المسلم ابتداء.

ثم بعد أن يضرب عليه العجز حقا لله، يبقى هذا الحق للسيد وهو من يملكه دون نظر إلى معنى الجزاء حتى أنه يبقى على ذلك ولو أسلم بعد ذلك.

والرقيق لا يرث غيره ما دام على رقه؛لأنه ومَا مَلَكَ مِلْكٌ لسيده، فلو ورث من غيره شيئًا لدخل هذا في ملك السيد، والسيد بعيد عن الميت، فيعطي المال إلى من لا يستحق.

وكذلك لا يورث الرقيق إذا مات لأن ماله ملك لسيده حال الحياة فكذلك السيد أولى به بعد الممات.

فإذا أعتق الرقيق ورث بلا خلاف إذا كان عتقه سابقاً على موت من يستحق الميراث من تركته.

وهذا سواء كان الرقيق قنا وهو الخالص العبودية أو مدبرا وهو من يعتق بعد موت سيده أي يُعلق عتقه على موت سيده، أو من علق عتقه على صفة أو الموصى بعتقه، أو أم الولد وهي من حملت من سيدها فتعتق بعد موته ولا تباع في حياته.

ثانياً: القتل:

لا خلاف بين الفقهاء المعمول برأيهم([85]) على أن القتل العمد العدوان يمنع صاحبه من الميراث وذلك لما يأتي:

(1) ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(ليس لقاتل شيء)([86]).

(2) ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(القاتل لا يرث)([87]).

(3) ما وري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(مَنْ قَتْلَ قَتِيلاً فَإِنَّهُ لاَ يَرِثْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى (لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ)([88]) .

ولأن الله تبارك وتعالى جعل استحقاق الميراث تواصلا بين الأحياء والأموات لاجتماعهم على الموالاة، والقاتل قاطع للموالاة عادل عن التواصل، فصار أسوأ حالا من المرتد.

ولأنه لو ورث القاتل لصار القتل ذريعة إلى قتل كل مورث رغب وارثه في استعجال ميراثه، وما أفضى إلى مثل هذا فالشرع مانع منه([89]) .

ووقع الاختلاف بين العلماء في القتل الخطأ هل يمنع من الميراث أم لا على النحو التالي:

المذهب الأول: ذهب الحنفية([90])  إلى أن القاتل يرث إذا كان صبيًا أو مجنونًا وأما غير ذلك فلا يرث، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ)([91]) ، فاقتضى عموم هذا الحديث رفع الأحكام عن الصبي والمجنون ومنها القتل.

مناقشة هذا الدليل: المراد في رفع القلم أي رفع الإثم والحرج لا القتل بدليل أن النائم منهم لو انقلب على مورثه فقتله فإنه لا يرثه فكذلك  الصبي والمجنون.

ومن جهة العقل: أن كل عقوبة تعلقت بالقتل سقطت عن الصبي والمجنون كالقود.

 مناقشة هذا الدليل: أن القود عقوبة ولكن الخاطئ لما لم يستحق العقوبة لعدم العمد لم يستحق القود منه، وكذلك الصبي والمجنون ليس لهما عمد فلا عقوبة عليهما بالعقود.

والإرث لا يكون في معنى العقوبة ألا ترى المسلم يحرم من الميراث بأسباب أخرى غير القتل وليس في معنى العقوبة لوجود من هو أولى منه بالميراث ونحو ذلك.

المذهب الثاني: ذهب المالكية([92])  إلى أنه يرث القاتل قتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)([93]).

وما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال:(لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ وَالْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَمَالِهِ وَهُوَ يَرِثُ مِنْ دِيَتِهَا وَمَالِهَا مَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ وَمَالِهِ شَيْئًا..)([94])  .

فهذا الحديث نص على أن القاتل خطأ يرث من المال دون الدية([95])  .

مناقشة هذا الدليل:

أولاً: حديث (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي) إنما المراد رفع الإثم لا العقوبة بدليل أنه يطالب في القتل الخطأ بالدية.

ثانيًا: حديث عمرو بن شعيب لو صح لكان أصرح دليل في الموضوع ولكنه حديث ضعيف.

قال عنه صاحب الحاوي : من رواية محمد بن سعيد المصلوب، صلب في الزندقة على ما قيل.

ثم إنه لو سلم لحمل على إرث ما استحقه من دين أو صداق([96])  .

المذهب الثالث: ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة إلى أن القاتل لا يرث مطلقًا عمدًا أو خطأ وذلك لعموم الأدلة الدالة على عدم ميراث القاتل، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ)([97])، فإنها لم تفرق بين قتلٍ وقتل.

الترجيح: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم يتبين أن الرأي الراجح من حيث العموم رأي من يقول بأن القاتل لا يرث سواء كان القتل عمدًا أو خطأ.

ومع ذلك فالأمر متروك لاجتهاد الحاكم في كل قضية، فقد يرى توريث شخص لأنه يعلم أنه ليس له نوايا سيئة وخصوصاً في حوادث السيارات فيما لو توفي الأب مع ابنه أو العكس.

ثالثاً: اختلاف الدين:

المراد باختلاف الدين هو أن يكون دين الوارث غير دين المورث كأن يكون أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا. ولذا يحسن بيان ميراث المسلم والكافر، وكذلك ميراث أهل الكفر فيما بينهم.

أ ـ التوارث بين المسلم والكافر:

لا خلاف بين الفقهاء جميعًا على أن الكافر لا يرث المسلم أبدا([98]). ولكن وقع الخلاف بينهم في ميراث المسلم الكافر على مذهبين:

المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء وعامة العلماء إلى أن المسلم لا يرث من الكافر شيئًا([99])، وذلك لما يأتي:

(1) ما روي عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)([100]).

(2) ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا توارث بين أهل ملتين) ([101]).  ولأن التوارث مستحق بالولاية وقد قطع الله الولاية بين المسلم والذمي، فوجب أن ينقطع به التوارث([102]) .

المذهب الثاني:  يرث المسلم الكافر، وحكي هذا عن معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ومحمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعي والشعبي؛ وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(الإسلام يزيد ولا ينقص)([103]).

وكما أنه يجوز للمسلم أن ينكح ذمية، ولا يجوز للذمي أن ينكح مسلمة، فإنه يجوز للمسلم أن يرث الكافر، ولا يجوز للكافر أن يرث المسلم([104]).

مناقشة هذا الدليل: أما الجواب عن الحديث فإن معناه أن الإسلام يزيد بإسلام من يسلم من المشركين ولا ينقص بالمرتدين، وأنه يزيد بما يفتح من البلاد فهو بهذا بعيد عن محل النزاع.

وأما القياس على النكاح فغير صحيح، ألا ترى أن المسلم ينكح الحربية ولا يرثها، والعبد ينكح الحرة ولا يرثها.

الترجيح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم التوارث هو الراجح لقوة أدلتهم.

 

ب: توارث الكفار:

الكفار إما أن يكونوا أهل ملة واحدة، وإما أن يكونوا أصحاب ملل شتى.

1ـ إذا كان أهل الكفر أصحاب ملة واحدة:

إذا كان الكفار أصحاب ملة واحدة كأن يكونوا يهودًا أو نصارى أو وثنيين، فقد اتفق جماعة الفقهاء على أنه يثبت التوارث بينهم، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لا يتوارث أهل ملتين)، فهو يفيد بمنطوقه أنه إذا اختلفت الملل فلا توارث بينهم، ويدل بمفهومه أنه إذا اتحدت الملل حدث التوارث بينهم. فإذا مات يهودي وله أم وأب وأولاد فميراثه لأمه ولأبيه ولأولاده.

2ـ إذا اختلفت ملل أهل الكفر:

إذا مات يهودي وترك يهودًا ونصارى، أو مات نصراني وترك نصارى ويهودًا ومجوساً. فهنا اختلف الفقهاء في ملل الكفر، هل كلها ملة واحدة أم ملل متعددة على النحو التالي:

المذهب الأول: الكفر كله ملة واحدة يهود ونصارى ومجوس وغيرهم وإليه ذهب الحنفية([105]) والشافعية([106]) والحنابلة في رواية عندهم([107])، وذلك لقوله تعالى:[وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ]([108])، وقال أيضا:[وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] ([109]) .

فقد جعلهم الله تبارك وتعالى في جهة والإسلام في جهة، وكذلك أنهم أولياء بعض فدل ذلك على أنهم ملة فيتوارثون بذلك.

المذهب الثاني: الكفر ملل شتى، اليهود ملة، والنصارى ملة، والمجوس ملة،وإليه ذهب المالكية([110]) والحنابلة في رواية([111])،وذلك لقوله تعالى:[وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ]([112]).  فقد بين الحق تبارك وتعالى تقاطعهم وطعنهم في بعض وهذا يمنع التناصر وكذلك يمنع الميراث.

الترجيح: بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم نرى أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء هو الرأي الراجح وذلك لأن ما ستدل به المالكية من الآية الكريمة ليس بقوي؛ لأن التباين الموجود في الآية بين اليهود والنصارى لا يمنع من توارثهم.

قال الماوردي:(كما يتباين أهل الإسلام في مذاهبهم ولا يوجب ذلك اختلاف توارثهم؛ لأن الأصل إسلام أو كفر لا ثالث لهما)([113]) . قال تعالى: [فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ] ([114]).

 


([1])  لسان العرب لابن منظور (1/430)، القاموس المحيط للفيروز آبادي (3/296).  

([2])  المعجم الوسيط (1/177)، المجموع للنووي (2/181). 

([3])  مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (9/356).

([4])  فقه الفرائض، د. فرج زهران الدمرداش، ص 71.   

([5])  بدائع الصنائع (3/353). 

([6]) مختصر صحيح البخاري ـ كتاب الدين (3/805) برقم (2116).

([7]) إيثار الإنصاف آثار الخلاف لسبط ابن الجوزي (1/313).

([8]) حاشية الدسوقي والشرح الكبير (4/457)، مواهب الجليل (8/355).

([9]) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (27/30)، حاشية الجمل مع شرح المنهج (7/536).

([10]) بدائع الصنائع (9/229)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (2/746).

([11]) كشاف القناع عن متن الإقناع (2/399).

([12]) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (6/229).

([13])  مصنف ابن أبي شيبة (8/488).

([14])  مسند الإمام أحمد (13/276)، سنن الدار قطني (3/46) برقم (194).

([15])  تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (18/387).

([16])  سنن سعيد بن منصور ـ باب الرجل يعتق عند موته (1/121) برقم (406).

([17])  سنن ابن ماجة ـ باب الدين قبل الوصية (2/906) برقم (2715).

([18]) سورة البقرة: الآية 196.

([19]) سورة النساء :11، وإنما قدمت الوصية في هذه الآية على الدين في الذكر لأنها تشبه الميراث لكونها مأخوذة بلا عوض، فيشق إخراجها على الورثة، فكانت لذلك مظنة في التفريط فيها بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه فقدم ذكرها هنا على أدائها.

وقدمها في الذكر أيضا تنبيها على أنه مثله في وجوب الأداء، أو المسارعة إليه، ولذلك جيئ بينها بكلمة التسوية.         

([20])  معرفة السنن والآثار للبيهقي ـ باب تبدية الدين قبل الوصية (10/439) برقم (4051).

([21])  نهاية المحتاج (6/8).

([22])  فإن كانت التركة مقدارها ثلاثون ألف ريال تم تجهيز الميت بألف ريال وكان عليه ديون قدرها خمسة آلاف ريال، وأوصى بثلث ماله، فإنه يحسب بعد إخراج قيمة التجهيز والدين، ويكون على النحو التالي:=ألف قيمة التجهيز + خمسة آلاف دين= ستة آلاف ريال تخرج من التركة فيبقى أربعة وعشرون ألف ريال، يخرج الوصية من ثلثها ويكون قدرها =ثمانية آلاف ريال+، ويكون قدر التركة =ستة عشر ألف ريال+.

وهذا بخلاف من يقول تخرج الوصية من ثلث جميع المال وهو ثلاثون يكون مقدارها عشرة آلاف ريال ويكون التركة بعد وفاء الحقوق أربعة عشر ألف ريال.

([23]) سورة محمد: الآية 18.

([24]) لسان العرب (7/329)، القاموس المحيط (2/368)، مادة: شرط.

([25]) الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة للشيخ زكريا الأنصاري، مجلة مجمع الفقه ـ العدد 21 ص191، المفردات للراغب الأصفهاني، ص258.

([26]) سورة الحج: الآية 15، أيسر التفاسير للجزائري (3/282).

([27]) سورة الكهف : 84.

([28]) فتح القدير للشوكاني (3/440). 

([29]) معجم لغة الفقهاء (1/260)، القاموس الفقهي لسعدي أبو حبيب (1/192). 

([30]) أحكام التركات والمواريث للشيخ محمد أبي زهرة، ص 103. 

([31]) سورة النساء: الآية 12. 

([32])  وحكي عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنها ترثه ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، وقال الماوردي: وليس يخلو قولهما ذلك من أحد أمرين:

الأمر الأول: أن يجعل الغسل من بقايا العدة فيكون ذلك مذهبا لهما في العدة دون الميراث، ولا وجه له؛ لأن العدة استبراء وليس الغسل مما يقع به الاستبراء.

الأمر الثاني: أن يجعلا انقضاء العدة بانقضاء الحيض ويوجبا الميراث مع بقاء الغسل فيكون ذلك مذهبًا لهما في الميراث دون العدة ولا وجه له؛ لأن انقضاء العدة يوجب انقضاء علق النكاح والميراث بينهما فارتفع بارتفاعهما، لو جاز اعتبار ذلك لصار الميراث موقوفًا على خيارها إن شاءت تأخير الغسل.

الحاوي للماوردي (8/148ـ 149) دار الكتب العلمية _ بيروت. 

([33]) سورة البقرة : 230. 

([34]) مغني المحتاج (3/294). 

([35]) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (4/46)، شرح فتح القدير (4/145). 

([36]) حاشية الدسوقي والشرح الكبير (3/353)، الخرشي على مختصر خليل (4/18).

([37]) كشاف القناع عن متن الإقناع (4/481)، حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع للنجدي (6/187).

([38]) البحر الرائق لابن نجيم (4/47).

([39]) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (7/217).

([40]) حاشية الباجوري على شرح الرحبية، ص51 ــ التحقيقات المرضية للدكتور الفوزان، ص41، 42.

([41]) سورة الأحزاب: الآية 5. 

([42])  مختصر صحيح البخاري ـ باب ذكر البيع والشراء (1/174) برقم (444).

([43]) معرفة السنن والآثار للبيهقي (16/139)، المستدرك للحاكم ـ كتاب الفرائض (4/379) برقم (7990). 

([44]) التحقيقات المرضية، د. صالح الفوزان ص 42، 43. 

([45]) حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (5/488). 

([46]) المغني والشرح الكبير (7/3)، كشاف القناع (4/455). 

([47]) فإن يوجد هؤلاء فإن التركة توضع في بيت المال على أنها ما ضائع، وليس على أنه توريث، ويكون فيئًا للمسلمين (مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 2/747ـ 748). 

([48]) سورة الأنفال: الآية 75. 

([49]) التفسير الكبير للفخر الرازي (9/202).  

([50]) حيث اشترط الشافعية أن يكون بيت المال منتظماً، حاشية الدسوقي والشرح الكبير (4/416)، مغني المحتاج (3/4).

([51]) أخرجه ابن ماجة (2/879) برقم (263).  

([52]) الحاوي للماوردي (8/68)، التحقيقات المرضية للدكتور الفوزان، ص45.  

([53]) سورة النساء: الآية 33.   

([54])  الخرشي على مختصر خليل (8/162). 

([55])  مختصر المزني (1/321)، أسنى المطالب (4/387).

([56])  المغني لابن قدامة مع الشرح (7/278)، كشاف القناع (4/404).

([57])  سورة الأنفال: الآية 75. 

([58]) المغني لابن قدامة مع الشرح (7/278).   

([59]) اشترط الحنفية في الميراث بولاء الموالاة عدم وجود الأقارب من جهة النسب حتى إذا وجد أحد من ذوي الأرحام قدم في الميراث على ولاء الموالاة.

أحكام القرآن للجصاص 3/145، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 2/427). 

([60])  المغني لابن قدامة مع الشرح (7/278)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (7/303).

([61]) سورة النساء: الآية 33.   

([62]) سورة الأحزاب: الآية  6.   

([63]) سورة النساء: الآية 33.   

([64]) تفسير القرطبي (5/166)، تفسير الطبري (8/278)، تفسير البغوي (2/206).  

([65]) التفسير الكبير للفخر الرازي (9/203).  

([66])  الفواكه الدواني (2/150).  

([67])  تحفة المحتاج في شرح المنهاج (10/375)، مغني المحتاج (6/470).

([68])  المغني لابن قدامة مع الشرح (7/287)، الإقناع (2/294).

([69])  المحلى لابن حزم (11/58).

([70])  المبسوط للسرخسي (30/40)، العناية بشرح فتح القدير (9/229).

([71])  سنن الترمذي ـ باب ميراث الرجل الذي يسلم على يد رجل (4/427)، مسند أحمد (28/144).

([72]) نيل الأوطار للشوكاني (6/79).  

([73]) صحيح البخاري (6/482)، سنن الترمذي (4/427).  

([74]) التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية ص 46.  

([75]) حاشية الدسوقي والشرح الكبير (4/125)، الحاوي للماوردي (8/68)، المغني لابن قدامة (7/279)، كشاف القناع (4/404).  

([76]) المغني لابن قدامة (7/279)، الإنصاف للمرداوي (7/303).  

([77])  مسند الإمام أحمد (28/188).

([78]) تحفة الأحوذي (6/299).  

([79])  لسان العرب، مادة: منع (8/343).

([80])  حواشي الشرواني وأبي القاسم العبادي (2/108)، مغني المحتاج (1/184).

([81]) حاشية الباجوري على الفوائد الشنوشورية، ص 54.  

([82]) رحمة الأمة باختلاف الأئمة لأبي محمد بن عبد الرحمن الدمشقي الشافعي ص 190 طبع مصطفى بابي الحلبي مصر.  

([83])  الصحاح في اللغة للجوهري، مادة: رق (1/265).

([84])  إيقاظ الأفهام شرح عمدة الأحكام لسليمان اللهيمد (6/13).

([85]) نقول المعمول برأيهم لأن الخوارج يقولون بميراثه وهم لا يعتد برأيهم لذا أخرجناهم من الخلاف رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص 191).  

([86]) أخرجه أحمد (1/49)، والدار قطني (4/95).  

([87]) أخرجه الترمذي ـ كتاب الفرائض (4/425) برقم (2109)، وابن ماجه ـ كتاب الفرائض (2/913) برقم (2735).   

([88]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/220)، وضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير (3/15).  

([89]) الحادي للماوردي (8/84).  

([90])  المبسوط للشيباني (2/408).  

([91])  أخرجه النسائي ـ كتاب الطلاق (3378)، وصححه الألباني في سنن النسائي (6/156) رقم(3432).

([92])  الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار لابن عبد البر (9/129).

([93])  أخرجه ابن ماجة (1/659)، الطبراني في الصغير (2/52)، البيهقي في السنن الصغرى (2/479)، وابن حبان في صحيحه، وقال شعيب الأرنؤوط صحيح على شرط البخاري (16/202)، وصححه الألباني في سنن ابن ماجة (1/659) رقم (2043).

([94]) أخرجه الدار قطني في سننه، كتاب الفرائض (4/72).  

([95]) الموطأ للإمام مالك (2/868) برقم (1559).  

([96]) الحاوي للماوردي (8/85).  

([97])  أخرجه ابن ماجة ـ كتاب الديات (2636)، وصححه الألباني في سنن ابن ماجة (2/884). 

([98]) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص 191.  

([99]) تبيين الحقائق (6/240)، الخرشي على مختصر الخليل (8/223)، الحاوي للماوردي (8/78)، كشاف القناع (4/476).  

([100]) أخرجه البخاري ـ كتاب الفرائض ـ باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (4/243) برقم (6764)، ومسلم ـ  كتاب الفرائض (3/1233) برقم (1614).   

([101])  أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، التلخيص الحبير (3/84). 

([102]) الحاوي للماوردي (8/79).  

([103]) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص 191.  

([104]) انظر المرجعين السابقين ـ نفس الصفحة.  

([105]) مجمع الأنهر (2/748).  

([106]) الحاوي للماوردي (8/80 ).  

([107]) المغني لابن قدامة (7/167).  

([108]) سورة الأنفال: الآية 73.  

([109]) سورة البقرة: الآية 120.  

([110]) الخرشي على مختصر خليل (8/223).  

([111]) المغني لابن قدامة (7/167).  

([112]) سورة البقرة: الآية 113.  

([113]) الحاوي للماوردي (8/80).  

([114]) سورة يونس: 32.  

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.